التعريف بمصادر أدبية

نصوص من كتاب « الروضة» للمبرد دراسة وتعليق وتحقيق
نصوص من كتاب « الروضة» للمبرد
دراسة وتعليق وتحقيق
تمهيد:
كنت قد عقدتُ العزم على أن أجمع ما تبقى من نصوص كتاب « الروضة» لأبي العباس المبرد الذي ضاع مع ما ضاع من تراث مكتبتنا العربية، بإشارة من أستاذي الدكتور محمد الحافظ الروسي وتحقيقها تحقيقا علميا، وبعد البحث اكتشفنا أن هذا العمل سبق أن قام به باحث سوري هو عبد الكريم حبيب ونشره في مجلة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، بعنوان " « الروضة» للمبرد تقديم، ونصوص منه"، فقلت: الأرض لا تحرث مرتين.
لكنني بعدما قرأت البحث وجدت عمله في البحث ينقسم إلى قسمين اثنين: القسم الأول عبارة عن تحقيق لمخطوطة وجدها في ختام ديوان أبي نواس وهي عبارة عن جزء يسير من الكتاب، وهو ما يتعلق بنقد المبرد لأشعار أبي نواس المخطوط برواية حمزة الأصفهاني، وهي ضمن رد لمن يلقب بالعماري(1)، وعمله في هذا القسم يقوم على طريقة التحقيق العلمي.
أما القسم الثاني فهو عبارة عن النصوص التي جمعها من كتب الأدب ودواوينه على أنها للمبرد في كتاب « الروضة»، وعمله هنا فيه نظر والله أعلم،  ولستُ ممن يقصد قصدَ من إذا رأى حسنا ستره، وعيبا أظهره.

 

تمهيد:

كنت قد عقدتُ العزم على أن أجمع ما تبقى من نصوص كتاب « الروضة» لأبي العباس المبرد الذي ضاع مع ما ضاع من تراث مكتبتنا العربية، بإشارة من أستاذي الدكتور محمد الحافظ الروسي وتحقيقها تحقيقا علميا، وبعد البحث اكتشفنا أن هذا العمل سبق أن قام به باحث سوري هو عبد الكريم حبيب ونشره في مجلة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، بعنوان " « الروضة» للمبرد تقديم، ونصوص منه"، فقلت: الأرض لا تحرث مرتين.

لكنني بعدما قرأت البحث وجدت عمله في البحث ينقسم إلى قسمين اثنين: القسم الأول عبارة عن تحقيق لمخطوطة وجدها في ختام ديوان أبي نواس وهي عبارة عن جزء يسير من الكتاب، وهو ما يتعلق بنقد المبرد لأشعار أبي نواس المخطوط برواية حمزة الأصفهاني، وهي ضمن رد لمن يلقب بالعماري(1)، وعمله في هذا القسم يقوم على طريقة التحقيق العلمي.

أما القسم الثاني فهو عبارة عن النصوص التي جمعها من كتب الأدب ودواوينه على أنها للمبرد في كتاب « الروضة»، وعمله هنا فيه نظر والله أعلم،  ولستُ ممن يقصد قصدَ من إذا رأى حسنا ستره، وعيبا أظهره.

فقد تبينَ لي أنه في جمعه لهذه النصوص لم يقيد حدود هذا الجمع ولم يضع منهجا معينا يسير عليه، فلربما أدخل في كلام المبرد ما ليس له والعكس صحيح، ومن خلال قراءتي المتكررة لهذا البحث استطعت أن أدون مجموعة من الملاحظات حوله تتعلق معظمها بالمنهج المعتمد فيه.

عرض وتحليل:

* عندما تحدث الباحث عن منهجه في بداية البحث قال:" وقد جرى عملي في الكتاب في مسارين، على وفق المصادر التي اعتمدت عليها. والمساران هما: 

الأول: تحقيق مخطوط لأديب يسمى (العماري) [...]. 

الثاني: جمع النصوص التي نُصَّ عليها صراحة أنها من كتاب الروضة، وأعترف في البدء أنها قليلة، ولكن على الرغم من قلتها، فهي تعطي صورة معينة عن هذا الكتاب وآراء المبرد فيه"(2).

وقد رأيت أن الباحث الكريم لم يلتزم بمنهجه هذا في معظم الأخبار التي أوردها على أنها من كتاب «الروضة»؛ فالمصادر التي أوردت نصوصا منقولة عن هذا الكتاب قليلة، ومعظم النصوص التي أوردها الباحث في بحثه هذا ليس فيها ما يشير من طرف الكاتب إلى أنها منقولة من كتاب « الروضة» صراحة.

فكان يجب على الباحث أن ينبه، في حديثه عن منهجه، على هذه النقطة وهي إدخاله في المتن المقترح لكتاب « الروضة» ما لم تصرح المصادر بالنقل فيه عن المبرد صراحة!!!.

* في مقدمة الكتاب من المتن المقترح لكتاب « الروضة» نَقل عن كتاب « المثل السائر» ونصه كالتالي:" وقرأت في كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار شعراء بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله"(3) ، إلا أن الباحث أضاف جملتين إلى هذا النص الأولى قبل كلام ابن الأثير والأخرى بعدها، وهما:

- " قال أبو العباس محمد بن يزيد الثمالي النحوي: هذا كتاب جمعنا فيه جملة من أشعار المحدثين، ومما لحنوا به، وخالفوا قياس النحو واللغة".

- " وربما ذكرت ما يستحسن من قول الرجل، إن وجد". 

وما أحسب الباحث أضاف هاتين الجملتين إلا لغاية في نفسه؛ فالجملة الأولى تُسوغ له إدخال ما يتعلق بالأخبار التي رويت عن المبرد فيما يتعلق بإنكاره على بعض الشعراء في بعض المسائل النحوية واللغوية.

والجملة الثانية تسوغ له إدخال ما يتعلق بالأخبار التي رويت عن المبرد فيما يتعلق بثنائه على بعض الشعراء في كتابه هذا علما بأن ابن عبد ربه الأندلسي، وهو ممن اطلع على الكتاب ونقل عنه نصوصا، ينص على أن المبرد في كتابه هذا " لم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له، حتى انتهى إلى الحسن بن هانىء. وقلما يأتي له بيت ضعيف، لرقة فطنته، وسبوطة بنيته، وعذوبة ألفاظه، فاستخرج له من البرد أبياتا ما سمعناها ولا رويناها، ولا ندري من أين وقع عليها"(4).

* بلغ مجموع الأخبار التي جمعها الباحث في المتن المقترح لكتاب «الروضة» ثمانية وأربعين(5) خبرا يمكن تصنيفها كالآتي:

- النصوص الصريحة النسبة لكتاب «الروضة»: ومجموعها تسعة أخبار وهي إما نصوص منقولة بعينها من الكتاب، وإما عبارة عن إحالات من كتب أخرى على كتاب « الروضة» في الهامش، كما هو الحال بالنسبة لكتاب «الفاضل» للمبرد نفسه؛ ذلك أن المبرد لم يصرح في كتاب «الفاضل» بوجود كلامه ذاك في كتاب «الروضة» لكن المحقق عبد العزيز الميمني أشار إلى ما يشبه ذلك في الإحالات.

- النصوص غير صريحة النسبة لكتاب «الروضة»: وأكثر الأخبار الواردة في البحث غير صريحة النسبة لكتاب «الروضة» وعددها سبعة وثلاثون خبرا لم يُصرح فيها بالأخذ عن كتاب « الروضة» للمبرد.

- النصوص الصريحة النسبة لكتاب آخر لكنها أدخلت في المتن المقترح لكتاب «الروضة»: وهو خبر وحيد صَرَّحَ فيه الصولي بنقله عن كتاب «الفطن والمحن»، وأود أن أورد الخبر كاملا كما جاء في « أخبار أبي تمام» ونصه كالتالي:" حدثنا محمد بن يزيد النحوي، وكان قد عمل كتباً لطافاً، فكنت أنتخب منها وأقرأ عليه، فقرأت عليه من كتابٍ سماه كتاب « الفطن والمحَن» قال: خرج أبو تمام إلى خالد بن يزيد بن مزيد، والي أرمينية، فامتدحه فأمر له بعشرة آلاف درهم ونفقةٍ لسفره، وأمره ألا يقيم إن كان عازماً على الخروج. فودعه ومضت أيام، فركب خالد ليتصيد، فرآه تحت شجرة وقدامه زكرة(6)  فيها نبيذ وغلام بيده طنبور، فقال: حبيب؟ قال: خادمك وعبدك، قال: ما فعل المال؟ فقال:

عَلَّمَني جُودُكَ السَّماحَ فَما أَبْـ         قَيْتُ شَيْئاً لَدَىَّ مِنْ صِلَتِكْ

مَا مَرَّ شَهْرٌ حَتىَّ سمَحْتُ بهِ             كأنّ ليِ قُدْرَةً كَمَقْدُرَتكْ

تُنْفقُ في اليَوْمِ بِالهِبَاتِ وفي            السَّاعَةِ مَا تَجْتَبِيِه في سَنَتِكْ

فلستُ أَدْرِي مِنْ أَينَ تُنفِقُ لَوْ        لاَ أَنَّ رَبِّى يَمُدُّ في هِبَتِكْ

فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى فأخذها"(7).

ففي النص كما ترى ما يدل دلالة واضحة على أن الصولي أخذ هذا النص من كتاب « الفطنِ والمحَنِ» للمبرد، ولا أدري وجه إدخاله في كتاب «الروضة»، وأن يأتي الباحث بهذه الجملة وهي " ومن الأخبار التي رويتها في كتابي« الفطن والمحَن»"؛ على أنها للمبرد في كتاب «الروضة» والصولي نفسه يجزم بأنه أخذها من كتاب « الفطن والمحَن» فهذا فيه اعتساف ظاهر من الباحث والله أعلم. وقد أشار الدالي في مقدمة تحقيقه لكتاب «الكامل» لهذا الكتاب وقال: « نقل منه الصولي في أخبار أبي تمام ص:158 وفيه « الفطن» ولعله تحريف ولم يذكره من ترجم له»"(8).  

- النصوص التي لم يُحِل الباحث على الكتاب الذي أخذها منه: وعددها في البحث نصان اثنان لكنني بعد البحث عثرت على النصين معا في «الموشح» للمرزباني. 

ملاحظات: 

* الخبر المنقول في الصفحة 182 عن « طبقات ابن المعتز» ويبدأ النص بـ " وهذه جملة من أخبار الشعراء المحدثين، وربما ذكرنا طرفا من أشعارهم [...]" مقارنة مع نص الطبقات الذي يبدأ بقول ابن المعتز " قال أبو العباس المبرد حدثني أبو يعقوب الباهلي قال [...]"، فلست أدري من أين جاء بأول النص علما بأن إحالته تفيد بأن الأبيات والخبر في «طبقات ابن المعتز»، فلا أعلم إن كانت زيادة من عنده أم شيئا آخر، إضافة إلى أنه ليس في الخبر ما يدل صراحة على أنه من كتاب «الروضة» للمبرد.   

* الخبر المنقول في الصفحة 183- 184 عن « طبقات ابن المعتز» و « الشعر والشعراء»؛  وردت المقدمة الموجودة في الخبر في «الشعر والشعراء» في فقرات ولم يذكر ابن قتيبة ما يشير إلى أنه سمع هذا الخبر عن المبرد فضلا عن أن يكون نقلها من كتابه «الروضة»، مع اختلاف في بعض الألفاظ الواردة في الخبر عن كتاب الطبقات، وابن المعتز أيضا لم يصرح بنقل هذا الخبر عن كتاب «الروضة»، ولم يشر الباحث إلى شيء من ذلك، إضافة إلى سقوط البيت الرابع من أبيات القطعة في البحث وهو مثبت في  « طبقات ابن المعتز» و«الشعر والشعراء» وهما الكتابان اللذان نُقِلَ عنهما الخبر. 

* الخبر الذي تحدث فيه عن أبي العتاهية [ ص:186] يمكن تقسيمه إلى قسمين:

القسم الأول: مأخوذ من كتاب « طبقات ابن المعتز» نقلا عن المبرد دون التصريح بأخذه من كتاب «الروضة».

القسم الثاني: مأخوذ من كتاب « الموشح» للمرزباني وهذا النص أيضا ليس فيه ما يدل على أن المرزباني نقله عن كتاب «الروضة». 

ولربما أدخله الباحث في نصوص كتاب «الروضة» لأن موضوع الخبر يدور حول تخطئة المبرد لأبي العتاهية في موضعين من شعره، وكتاب «الروضة» للمبرد يدور حول الموضوع نفسه.

* بما أن « الموشح» كتاب في مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر، وموضوعه يشبه إلى حد كبير موضوع كتاب «الروضة» وهو أيضا في مآخذ المبرد على الشعراء المحدثين بصفة خاصة؛ فإن الباحث يسوغ إمكانية نقل المرزباني عن المبرد وعن كتابه هذا خاصة، وليس ذلك بالدليل الكافي فللمبرد نفسه كتب كثيرة ومعظمها مفقود كما يحتمل أن تكون بعض آرائه النقدية لم تسجل في كتاب وإنما نقلها عنه الرواة والعلماء.

* الخبر [ ص: 187]:

أحال الباحث في الهامش على وجود البيت في «الموشح» و«الأغاني» و«طبقات ابن المعتز»، وهو موجود في المصدرين الأولين وليس له ذكر «طبقات ابن المعتز» علما بأنه اعتمد نفس الطبعة التي اعتمدتُها، وما أحسبه إلا اعتمد على إحالة محقق كتاب « الموشح» الذي أشار إلى وجود ترجمة لأبي العتاهية في الطبقات ولم يشر إلى وجود البيت أو الخبر بعينه.

والخبر بأكمله ورد في «الموشح» بروايات مختلفة شيئا ما في السند وفي رواية الأبيات، لكن الباحث اختار الرواية الثانية التي جاءت عن طريق ابن يزيد النحوي [ هكذا]، مع حذف السند على عادة الباحث عن راويين اثنين هما: أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، والحسين بن محمد العرمرم، وليس في الخبر أيضا ما يشعر بأن النص مأخوذ من كتاب            «الروضة» للمبرد.

ونفس الشيء بالنسبة للخبر ص: 188 عن أبي العتاهية وهو مروي عن إبراهيم بن محمد بن عرفة، ولم يُحِل الباحث عن موضع ورود الخبر إلا أنني وجدته كاملا وبنصه في «الموشح» للمرزباني ص: 322.

*الخبر ص:188:

وأودُّ أن أورد الخبر بنصه كاملا وهو: « مما أنكر على أبي العتاهية قوله لما ترفّق في نسيبه بعتبة:

إني أعوذ من التي شعفت          منّي الفؤاد بآية الكرسي 

وآية الكرسي يهرب منها الشياطين ويحترس بها من الغيلان، كما روي عن ابن مسعود في ذلك».

وقد حذف الباحث عند إيراده هذا الخبر السند الذي أورد به المرزباني الخبر وأسقط الراويين وهما علي بن محمد الكاتب وأحمد بن عبيد الله وليس في سند الحديث ذكر للمبرد حتى يظن الباحث أن هذا الكلام للمبرد فضلا عن أن يكون من كتاب «الروضة» له، ولست أدري الوجه الذي اعتمده الباحث حتى أدخل هذا الكلام وجعله من قول المبرد، وأظن أن اعتماده كان على كلمة « ومما أنكر على أبي العتاهية» التي تشم منها رائحة استدراك المبرد على الشعراء المحدثين، وقد عُلِمَ مما جاء في الأثر أن كتاب «الروضة» اهتم بنقد أشعار المحدثين ورد أخطائهم غير أن ذلك كله ليس سببا كافيا لإيراده وجعله من كلام المبرد من دون إقامة الدليل على ذلك، وقد ذكرنا في البداية أن الباحث ذكرَ أنه سيجمع فقط النصوص التي نُصَّ عليها صراحة أنها من كتاب «الروضة»، والمرزباني أيضا صنفَ كتابه في مآخذ العلماء على الشعراء، أفلا يكون ما نسبه الباحث إلى المبرد هو من كلام المرزباني نفسه.

والأمر نفسه في الخبر الذي ورد بعده ونص الخبر كالتالي: «ومما أنكر على أبي العتاهية من سفساف شعره قوله في عتبة:

وَلَّهَنِي حُبُّهَا وَصَيَّرَنِي        مِثْلَ جُحًى شُهْرَةً وَمَشْخَلَبَهْ 

وقوله:

يا واهًا لِذِكْرِ اللَّـــ          ـهِ يَاوَاهًا وَيَاوَاهَا 

 لَقَدْ طَيَّبَ ذِكْـرُ اللَّــ      ــهِ بالتَّسْبِيحِ أَفْوَاهَا    

أَرَى قومًا يَتِيهُــونَ       حُشُوشًا رُزِقُوا جَاهَا 

 فَمَا أَنْتَنَ من حَشٍّ          عَلَى حَشِّ إِذَا تَـاهَا »

ويُرَدُّ هذا الخبر المنسوب للمبرد من وجوه:

أولها: أنه عندما أورد الباحث الخبر في بحثه أسقط الجزء الأول من الخبر وهو: « قال الشيخ أبو عبيد الله المرزباني رحمه الله تعالى» وهذا يدل دلالة واضحة على أنه من كلام المرزباني نفسه فهو صريح النسبة إليه، يقول المحقق في بداية الكتاب:" والمؤلف ينقل عن العلماء آراءهم في الشعر، وكثيرا ما يكرر المآخذ بروايات أخرى عن غير من روى عنهم. ولا يقتصر عمل المرزباني في الكتاب على نقل هذه الروايات؛ بل إنه اختار هذه المآخذ، ورتبها على حسب الشعراء، ورتب الشعراء على حسب عصورهم؛ وزاد أنه يعقب كثيرا على هذه المآخذ والروايات تعقيب الخبير الأريب؛ فيوثقها أو يعللها، أو يصلح شيئا فيها، ويبدأ ذلك دائما بقوله: قال أبو عبيد الله المرزباني، وهي تعقيبات تشهد بعلو كعبه في الأدب والنقد، واطلاعه الواسع على كتب الأدب واللغة والنحو والنقد"(9).

ثانيها: ليس في سياق الخبر ما يدل على أن هذا الكلام من كلام المبرد فضلا عن أن يكون من كتاب «الروضة». 

ثالثها: اعتماد الباحث على صيغة « ومما أُنْكِرَ» أوهمه أن ذلك من كلام المبرد، وأحسبه والله أعلم استند إلى كلام المرزباني في مقدمة الكتاب حيث يقول:" وعلى أنّ كثيرا مما أنكر في الأشعار قد احتجّ له جماعة من النحويين وأهل العلم بلغات العرب، وأوجبوا العذر للشاعر فيما أورده منه، وردّوا قول عائبه والطاعن عليه؛ وضربوا لذلك أمثلة قاسوا عليها ونظائر اقتدوا بها؛ ونسبه بعضهم إلى ما يحتمله الشعر أو يضطرّ إليه الشاعر"(10)، على أن هذا النص يتحدث عن جماعة من النحويين وأهل العلم بلغات العرب بصيغة الجمع ولا معنى لإفراد المبرد من بين النحويين بكل كلام يورد بصيغة الإنكار.

* الخبر ص:190- 191 عن الخريمي: 

- أسقط الباحث خمسة أبيات من القصيدة الثانية دون أن يشير إلى هذا الحذف أو الإسقاط.

- والعبارة الأخيرة: " وهذا الخريمي من المحسنين المجيدين للشعر، وهو من المشهورين"، يظهر أن هذه العبارة هي من كلام ابن المعتز وتعليقه على شعر الخريمي وليست من كلام المبرد. 

* الخبر ص:192 عن أبي تمام: 

ونص الخبر كالآتي:" ولأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعان طريفة [...]" وجاء الخبر عن طريق أبي العباس عبد الله بن المعتز، ونص السند كما يلي:" حدثني أبو العباس عبد الله بن المعتز قال: جاءني محمد بن يزيد المبرد يوما فأفضنا في ذكر أبي تمام، وسألته عنه وعن البحتري فقال [ نص الخبر] " ويحتمل أن الذي ذكره المبرد جاء به في مجلس، كما أن كلمات من قبيل « فأفضنا» و« سألته» تدل على المحاورة وليس على النقل من الكتاب.

* الخبر ص:194 عن أبي تمام أيضا:

عَمَد الباحث إلى تغيير صياغة الخبر وتحويله نقلا عن «أخبار أبي تمام» ولم يصرح الصولي بنقله عن كتاب «الروضة» وإنما أخذه حكاية أو سماعا من ابن المعتز، وفي كلام ابن المعتز ما يشير إلى أن هذا الكلام دار في جلسة ولم ينقل من كتاب يقول:" جاءني محمد بن يزيد النحوي فاحتبسته، فأقام عندي، فجرى ذكر أبي تمام، فلم يوفه حقه؛ وكان في المجلس رجل من الكتاب نعماني، ما رأيت أحدا أحفظ لشعر أبي تمام منه، فقال له [...]"(11).

استدراك:

بعد البحث الطويل عثرت على مجموعة قليلة فقط من النصوص لم يدرجها الباحث ضمن المتن المقترح لكتاب «الروضة» للمبرد، وهي إما نصوص بعينها وإما إشارات لخبر ما أو قصيدة لكنها واردة بالطبع في كتاب «الروضة»؛ وأحببتُ أن أورد النصوص كما وردت في المصادر التي نَقَلَتْ عن كتاب «الروضة» لأنه ليس من الصعب التفريق بين كلام المبرد والذين نقلوا عنه، ومنها: 

نص صريح النسبة إلى كتاب « الروضة» للمبرد لم يذكره الباحث في بحثه هذا وقفتُ عليه، وكان ياقوت الحموي قد أورده في كتابه «معجم الأدباء» قال :" حدث المبرد في «الروضة» [حدثني عبد الصمد بن المعذل قال: جئت أبا قلابة الجرمي، وهو أحد الرواة الفهمة، ومعه الأرجوزة التي نسبت إلى الأصمعي، وهي:

تهزُأ منِّي أختُ آلِ طيسلهْ         قالت أراه مملقاً لا شيء لَهْ

قال: فسألته أن يدفعها إلي، فأبى. فعملت أرجوزتي التي أولها:

       تهزأُ منِّي وهي رُؤْدُ طَلَّهْ           أن رأتِ الأحناءَ مقفعلَّهْ

      قالت أرى شيبَ القَذَالِ احتلَّهْ            والوردَ من ماءِ اليُرَنَّا حَلَّهْ

قال: ودفعتها إليه على أنها لبعض الأعراب وأخذت منه تلك، ثم مضى أبو قلابة إلى الأصمعي يسأله عن غريبها، فقال له: لمن هذه؟ قال: لبعض الأعراب، فقال له: ويحك هذه لبعض الدجالين دلسها عليك، أما ترى فيها كيت وكيت وكيت، قال: فخزي أبو قلابة واستحيى]" (12)، وهو كما ترى صريح النسبة لا شك فيه.

إضافة إلى الخبر الذي يتعلق بأبي نواس وأبي العتاهية، والذي ذكره ابن عبد ربه في « العقد الفريد» قال:" ألا ترى أن محمد بن يزيد النحوي- على علمه باللغة ومعرفته باللسان- وضع كتابا سماه بالروضة، وقصد فيه إلى أخبار الشعراء المحدثين، فلم يختر لكل شاعر إلا أبرد ما وجد له، حتى انتهى إلى الحسن بن هانيء- وقلما يأتي له بيت ضعيف، لرقة فطنته، وسبوطة بنيته، وعذوبة ألفاظه- فاستخرج له من البرد أبياتا ما سمعناها ولا رويناها، ولا ندري من أين وقع عليها، [ وهي:

ألا لا يلمني في العقار  جليسي      ولا يلحني في شربها بعنوس

تعشّقها قلبي فبغّض عشقها          إليّ من الأشياء كلّ نفيس]

وجلّ أشعاره في الخمريات بديعة لا نظير لها، فخطرفها كلها وتخطاها إلى التي جانسته في برده، فما أحسبه لحقه هذا الاسم «المبرّد» إلا لبرده؛ وقد تخيّر لأبي العتاهية أشعارا تقتل من بردها، وشنّفها وقرّطها بكلامه،  فقال: [ ومن شعر أبي العتاهية المستظرف عند الظرفاء، المتخير عند الخلفاء، قوله:

يا قرّة العين كيف أمسيت        أعزز علينا بما تشكّيت

وقوله:

آه من وجدي وكربي            آه من لوعة حبي»

  ما أشدّ الحبّ يا سبحــــانك اللهمّ ربّي!]" (13)

والكلام الموضوع بين معقوفتين هو كلام المبرد في « الروضة».

ومن النصوص التي وقفت عليها أيضا والتي تتعلق بكتاب «الروضة» ما ذكره أبو عبيد الله البكري في «اللآلي»: " قال المبرّد في كتاب الروضة: كان بشار عند الرواة غير محقّق في الحبّ، وكذلك كثيّر عزّة"(14). 

بالإضافة إلى مجموعة من النصوص التي تتضمن إشارات إلى كتاب « الروضة» وهي كالآتي:

قال الوطواط في « غرر الخصائص الواضحة»:" قال المبرد في الروضة إن أبا نواس عملها في الفضل بن يحيى"(15)،  ويشير الكاتب هنا إلى القصيدة التي مطلعها:

أداَر البِلَى إِنَّ الخُشُوعَ لَبَادِي      عَلَيْكِ وَإِنِّي لَمْ أَخُنْكِ وِدَادِي

مما يقطع بأن القصيدة موجودة في كتاب «الروضة».

قال العسكري في « أخبار المصحفين» :" وَحَكَى لَنَا أَبُو العَبَّاسِ بْنُ عَمَّار أَنَّ مُحَمَّد بْنَ يَزِيدَ النَّحْوِي المُبَردَ صَحَّفَ فِي كِتَاب الرَّوْضَة فِي قَوْلِهِ حبيب بن خدرة فَقَالَ جَدَرَةَ وَفِي رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ فَقَالَ خِرَاشٌ"(16).

وهناك إشارة أخرى وردت في « نزهة الألباء» و« إكمال تهذيب الكمال»" قال أبو العباس بن عمار: صَحَّف محمد بن يزيد المبرد في كتاب "الروضة" في قوله: حبيب بن خدره، فقال جدرة وفي ربعي بن حراش، فقال: خراش"(17). 

وفي « تاريخ بغداد»" أنبأنا محمّد بن الحسن بن أحمد الأهوازي أنبأنا أَبُو سعيد الحَسَن بْن عَبْد اللَّهِ بْن سعيد السكري قَالَ: حكى لنا أبو العباس بن عمار أن محمد بن يزيد النحوي المبرد صحف في كتاب «الروضة» في قوله: حبيب بن خدرة: فقال، جدرة، وفي ربعي بن حراش فقال خراش"(18).

قال القفطي في «إنباه الرواة»:" وقد أغنانا المبرّد في الروضة عن التطويل في ذكره، وكان قد تعبّد في آخر عمره"(19)، والضمير في « في ذكره» يعود على خلف الأحمر لأن القفطي كان بصدد الترجمة له في كتابه المذكور. 

خاتمة:

كتاب « الروضة» لأبي العباس المبرد من الكتب الثابتة النسبة إليه فلم يشك أحد في نسبة الكتاب، ومن المرجَّح أن الكتاب استمر وجوده زمنا طويلا، ومن المرجَّح أيضا أن يكون الكتاب مخطوطا لم ير النور بعد؛ وكنت قد رأيت أن معظم محققي كتب المبرد مثل عبد الخالق عضيمة محقق كتاب « المقتضب» وكذا رمضان عبد التواب وصلاح الدين الهادي محققا كتاب « المذكر والمؤنث»  ومحمد الدالي  محقق كتاب « الكامل في اللغة والأدب» يجزمون بوجود نسخة من الكتاب في حوزة العالم والمحقق عبد العزيز الميمني الراجكوتي، يقول محققا كتاب « المذكر والمؤنث»:" ولدى العلامة « عبد العزيز الميمني» نسخة مخطوطة من كتاب « الروضة» هذا"(20) استنادا إلى الهوامش التي أحال فيها على الكتاب.

وبعد رجوعي إلى المواضع التي نقل عنها عبد العزيز الميمني في تحقيق كتاب «الفاضل» وجدته يحيل إلى الكتاب وإلى رقم الصفحة أيضا من غير أن يعينَ نوعية الكتاب هل هو مطبوع أم مخطوط، وهو مثبت أيضا في فهرس الكتب التي عمِلَها عبد العزيز الميمني بنفسه في نهاية كتاب «الفاضل». 

ويبقى كل متن مقترح لكتاب «الروضة» قابلا للأخذ والرد فيه والاستدراك عليه إلى أن تظهر نسخة مخطوطة منه تفي بحاجة طالب العلم في الاستفادة من آراء المبرد في الشعر والشعراء المحدثين والرد عليهم إن استدعى الأمر ذلك. 

ـــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- « الروضة» للمبرد تقديم، ونصوص منه، بحث لعبد الكريم حبيب، ص: 155،  منشور بمجلة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، المجلد 37  الجزآن 1، 2 – رجب 1413هـ - محرم 1414هـ / يناير – يوليو 1993م. 

2-« الروضة» للمبرد تقديم، ونصوص منه، بحث لعبد الكريم حبيب، ص: 162.

3- المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر  2/10.

4- العقد الفريد 6/79.

5- لم يصرح الباحث بهذا الرقم لكنني استقريته من خلال الفصل بين هذه الأخبار  جميعها وردِّ كل منها إلى مظانها.

6- الزكرة بالضم:  زق للخمر والخل.

7- أخبار أبي تمام ص: 158- 159.

8- الكامل في اللغة والأدب 1/16.

9- مقدمة تحقيق الموشح ص:7.

10- مقدمة تحقيق الموشح ص:16.

11- أخبار أبي تمام ص:202. 

12- معجم الأدباء 2/805.

13- العقد الفريد 6/79. 

14- سمط اللآلي 1/137.

15- غرر الخصائص الواضحة ص:150.

16- أخبار المصحفين ص: 41- 42.

17- نزهة الألباء ص:172، إكمال تهذيب الكمال 4/324. 

18- تاريخ بغداد 4/603.

19- إنباه الرواة 1/385.

20- مقدمة تحقيق كتاب المذكر والمؤنث ص:54.

*******

المصادر والمراجع:

- « الروضة» للمبرد تقديم، ونصوص منه، بحث لعبد الكريم حبيب،  منشور بمجلة معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، المجلد 37  الجزآن 1، 2 – رجب 1413هـ - محرم 1414هـ / يناير – يوليو 1993م.

- أخبار أبي تمام، لأبي بكر محمد بن يحيى الصولي، حققه وعلق عليه خليل محمود عساكر ومحمد عبده عزام ونظير الإسلام الهندي، قدم له الدكتور أحمد أمين، الطبعة الثالثة 1400هـ/ 1980م، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت. 

- أخبار المصحفين، لأبي أحمد الحسن بن عبد الله العسكري، عني بتحقيقه إبراهيم صالح، الطبعة الأولى 1416هـ/ 1995م، منشورات دار البشائر للطباعة والنشر والتوزيع. 

- إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال،  لأبي عبد الله، علاء الدين الحنفي، تحقيق أبو عبد الرحمن عادل بن محمد وأبو محمد أسامة بن إبراهيم، الطبعة الأولى: 1422 هـ‍‍/ 2001 م، منشورات  الفاروق الحديثة للطباعة والنشر.

- العقد الفريد، لابن عبد ربه الأندلسي، حققه وشرحه وعرف أعلامه الدكتور محمد التونجي، الطبعة الثانية 1430هـ/2009م، منشورات دار صادر، بيروت. 

- الكامل في اللغة والأدب، لأبي العباس المبرد، تحقيق محمد الدالي، الطبعة الرابعة: 1425هـ/ 2004م، منشورات مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع.

- المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر،  لابن الأثير، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، منشورات المكتبة العصرية للطباعة والنشر،  بيروت، عام 1420 هـ.

- المذكر والمؤنث، للمبرد، حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور رمضان عبد التواب وصلاح الدين الهادي، منشورات دار الكتب المصرية عام 1970م.

- الموشح، للمرزباني، تحقيق علي محمد البجاوي، منشورات دار الفكر العربي، القاهرة.

- إنباه الرواة على أنباه النحاة، للقفطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى: 1424هـ/ 2004م.

- تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، تحقيق الدكتور بشار عواد معروف، الطبعة الأولى: 1422هـ / 2002 م، منشورات  دار الغرب الإسلامي،  بيروت.

- سمط اللآلي في شرح أمالي القالي، للوزير أبي عبيد الله البكري، تحقيق عبد العزيز الميمني، منشورات دار الكتب العلمية عام 1354هـ/ 1935م.

- غرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة، لأبي إسحاق جمال الدين محمد بن إبراهيم بن يحيى الكتبي المعروف بالوطواط، ضبطه وصححه وعلق حواشيه ووضع فهارسه إبراهيم شمس الدين، الطبعة الأولى: عام 2008م، منشورات دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.

- معجم الأدباء، لياقوت الحموي، تحقيق إحسان عباس، الطبعة الأولى: عام 1993م، منشورات دار الغرب الإسلامي.

- نزهة الألباء في طبقات الأدباء، لأبي البركات الأنباري، قام بتحقيقه الدكتور إبراهيم السامرائي، الطبعة الثالثة: 1405هـ/ 1985م، منشورات مكتبة المنار.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قراءة في كتاب «الأدب السنغالي العربي» للدكتور عامر صمب – رحمه الله – (الحلقة الأولى)

قراءة في كتاب «الأدب السنغالي العربي»
للدكتور عامر صمب – رحمه الله –
(الحلقة الأولى)

كتابُ «الأدب السنغاليّ العربيّ» عَملٌ جليلٌ، وعِلقٌ نفيسٌ يَستحقُّ أبو عذره الثناء الخالص والتبجيل، فقد حسر فيهِ الخمار عن النبوغ السنغاليّ في الأدب المغربيّ، وأودع بين دفّتيه ما جادت به قرائح السنغاليين من كنوزٍ أدبيّة...

قراءة في كتاب "المدخل إلى كتابي عبد القاهر الجرجاني" للدكتور محمد محمد أبو موسى

قراءة في كتاب "المدخل إلى كتابي عبد القاهر الجرجاني"
للدكتور محمد محمد أبو موسى

يعد عبد القاهر الجرجاني أحد أعلام الفكر العربي والإسلامي، وإمام البلاغة والنقد في الأدب العربي، فهو مؤسس علم البلاغة وواضعُ أصولها، ويعد كتاباه " أسرار البلاغة " و"دلائل الإعجاز" من أبرز مؤلفاته وأشهرها في هذا المجال...

مفهوم الشعر عند ابن سلام الجمحي من خلال مقدمة كتاب «الطبقات»

مفهوم الشعر عند ابن سلام الجمحي من خلال مقدمة كتاب «الطبقات»

إن البحث عن مفهوم الشعر فكرة راودت النقاد العرب منذ القرنين الثاني والثالث الهجريين فقدموا تعريفات كثيرة كلٌّ حسب فهمه لِكُنْهِ الشعر؛ وقد كان للشعراء – إلى جانب النقاد- وظيفة في تأسيس هذا المصطلح النقدي، ومنهم الشعراء الجاهليون والإسلاميون، قبل أن يصبح مفهوم الشعر مصطلحا نقديا كباقي مصطلحات النقد العربي...