التعريف بمصادر بلاغية

(2) سلسلة مكتبة الدراسات القرآنية (كتاب النبأ العظيم)
(2) سلسلة مكتبة الدراسات القرآنية

(كتاب النبأ العظيم)
نقدم في الحلقة الثانية من هذه السلسلة كتاب «النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن» لصاحبه الدكتور محمد عبد الله دراز، وهو كتاب ذاع صيته في الآفاق واشتهر، بما حواه من نظرات قرآنية جليلة الأثر. 
الدكتور محمد عبد الله دراز:
ولد عليه رحمة الله في قرية «محلة دياي» بمحافظة كفر الشيخ في عام 1894، وانتسب إلى معهد الإسكندرية الديني في عام 1905م، وحصل على الشهادة الثانوية الأزهرية في عام 1912، وعلى شهادة العالمية في عام 1916م، ثم تعلم اللغة الفرنسية بمجهوده الخاص، ولم يكن إقباله على تعلم هذه اللغة حبا في المظهر، بل ليستخدمها فيما يعود على قضية بلاده ودينه بالنفع، فكان إبان ثورة 1919م يطوف مع الشباب على السفارات الأجنبية ليعرض قضية بلاده ودينه، كما كان يدافع عن الإسلام ضد مهاجميه في جريدة «الطان» الفرنسية.

 

نقدم في الحلقة الثانية من هذه السلسلة كتاب «النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن» لصاحبه الدكتور محمد عبد الله دراز، وهو كتاب ذاع صيته في الآفاق واشتهر، بما حواه من نظرات قرآنية جليلة الأثر.

 الدكتور محمد عبد الله دراز:

ولد عليه رحمة الله في قرية «محلة دياي» بمحافظة كفر الشيخ في عام 1894، وانتسب إلى معهد الإسكندرية الديني في عام 1905م، وحصل على الشهادة الثانوية الأزهرية في عام 1912، وعلى شهادة العالمية في عام 1916م، ثم تعلم اللغة الفرنسية بمجهوده الخاص، ولم يكن إقباله على تعلم هذه اللغة حبا في المظهر، بل ليستخدمها فيما يعود على قضية بلاده ودينه بالنفع، فكان إبان ثورة 1919م يطوف مع الشباب على السفارات الأجنبية ليعرض قضية بلاده ودينه، كما كان يدافع عن الإسلام ضد مهاجميه في جريدة «الطان» الفرنسية.

وفي عام 1928 اختير للتدريس في القسم العالي بالأزهر، ثم بقسم التخصص عام 1929، ثم بكلية أصول الدين عام 1930.

وفي عام 1936 سافر إلى فرنسا في بعثة أزهرية، واشتغل في التحضير لدرجة الدكتوراه، فكتب رسالتين عن «التعريف بالقرآن وعن الأخلاق في القرآن» نال بهما دكتوراه الدولة من السربون بمرتبة الشرف الممتازة في عام 1947.

وعلى إثر عودته إلى الوطن انتدب لتدريس تاريخ الأديان بجامعة القاهرة، وحصل على عضوية كبار العلماء في عام 1949، ثم ندب لتدريس التفسير بكلية دار العلوم، واللغة العربية بالأزهر، وتدريس فلسفة الأخلاق في كلية اللغة العربية.

وفي عام 1953 اختير عضوا في اللجنة العليا لسياسة التعليم كما اختير عضوا في المجلس الأعلى للإذاعة، إلى جانب اختياره في المؤتمرات الدولية والعلمية ممثلا لمصر والأزهر وفي اللجنة الاستشارية للثقافة بالأزهر.

وكانت آخر رحلة له رحلته إلى باكستان لحضور المؤتمر الإسلامي في مدينة «لاهور» في يناير عام 1958، وقد ألقى هناك بحثا عن «موقف الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها». ثم وافاه الأجل المحتوم في أثناء انعقاد المؤتمر، ففقد العالم الإسلامي بوفاته مثلا فاضلا للعالم الأزهري، الغيور على دينه المحافظ على كرامته، المتصون في مظهره وسمعته، الداعي إلى صراط ربه بالحكمة والموعظة الحسنة(1).  

عنوان الكتاب:

يتكون عنوان الكتاب من عنوان رئيسٍ وآخر فرعي، والرئيسي مقتبس من قوله تعالى ▬عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأ العَظِيم♂ من سورة النبأ، والمقصود بالنبأ في الآية هو الخبر ذو الفائدة العظيمة، قال الطاهر ابن عاشور: «وَالنَّبَأُ: الْخَبَرُ، قِيلَ: مُطْلَقًا فَيَكُونُ مُرَادِفًا لِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ إِطْلَاق «الْقَامُوس» و«الصِّحَاح» و«اللِّسَان». وَقَالَ الرَّاغِبُ: «النَّبَأُ الْخَبَرُ ذُو الْفَائِدَةِ الْعَظِيمَةِ يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ وَلَا يُقَالُ لِلْخَبَرِ نَبَأٌ حَتَّى يَتَضَمَّنَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةَ وَيَكُونَ صَادِقًا» اهـ. وَهَذَا فَرْقٌ حَسَنٌ وَلَا أَحْسَبُ الْبُلَغَاءَ جَرَوْا إِلَّا عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ الرَّاغِبُ فَلَا يُقَالُ لِلْخَبَرِ عَنِ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ: نَبَأٌ، وَذَلِكَ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مَوَارِدُ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ النَّبَأِ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ»(2).

أما العظيم فحقيقته: «كَبِيرُ الْجِسْمِ وَيُسْتَعَارُ لِلْأَمْرِ الْمُهِمِّ لِأَنَّ أَهَمِّيَّةَ الْمَعْنَى تُتَخَيَّلُ بِكِبَرِ الْجِسْمِ فِي أَنَّهَا تقع عِنْد مدركها كَمَرْأَى الْجِسْمِ الْكَبِيرِ فِي مَرْأَى الْعَيْنِ وَشَاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ حَتَّى سَاوَتِ الْحَقِيقَةَ. وَوصف النَّبَإِ بـ(الْعَظِيمِ) هُنَا زِيَادَةٌ فِي التَّنْوِيهِ بِهِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ وَارِدًا مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ زَادَهُ عِظَمَ أَوْصَافٍ وَأَهْوَالٍ، فَوُصِفَ النَّبَأُ بِالْعَظِيمِ بِاعْتِبَارِ مَا وُصِفَ فِيهِ مِنْ أَحْوَال الْبَعْث فِي مَا نَزَلَ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ قَبْلَ هَذَا»(3).

وقد عنونَ المؤلف كتابه بـ «النبأ العظيم» تشريفا لكتابه بشرف هذه الآية وهو نمط من أنماط تسمية الكتب عند العرب؛ فنجد مثلا «مفاتيح الغيب» ونجد «سبل السلام» و«الرحيق المختوم» وكلها عناوين لكتب مقتبسة من الآيات القرآنية.

ويتبع هذا العنوان الرئيس عنوان آخر فرعي وهو «نظرات جديدة في القرآن» وهو مذيِّل للعنوان الأول وكاشف لمضمون الكتاب بشكل جيد. 

أبواب الكتاب:

لم يعتمد المؤلف في ترتيب مادة كتابه على نظام الأبواب والفصول، بل اعتمد على تقسيم موضوعات الكتاب تقسيما راعى فيه تسلسل الموضوع العام في بحوث فرعية، والسبب في ذلك أن الكتاب كُتِب منجما على حد قول المؤلف في المقدمة: «كان مسقط رأسه في الحرم الجامعي، منذ نيف وعشرين عاما، ولكنه لم يبرز منه يومئذ إلا عنقه وصدره... أما أطرافه فلم تنشأ، وأما خلقه فلم يكتمل إلا اليوم. لقد شهد طلاب الأمس بداية أمره، حين كان يملَى عليهم نجوما متفرقة، في فترات متلاحقة أو غير متلاحقة، وكانوا كلما اجتمعت منه صفحات معدودة لا تزيد عن عقد وبعض عقد، استعجلوا طبعها، وجعلوا يستحثون همة المؤلف لوضع لاحقتها»(4) غير أن ذلك لم يمس منهج الكتاب وتسلسله بل حافظ على تماسك معانيه وانسجامها في خيط رفيع.

مضامين الكتاب:

يشرح عبد الله دراز في البحث الأول المعنون بـ «في تحديد معنى القرآن والفرق بينه وبين الحديث القدسي والنبوي» قول العلماء إن القرآن هو «كلام الله تعالى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته»؛ فكونه «كلام» هو جنس شامل لكل كلام، وإضافته إلى «الله» تميزه عن كلام من سواه من الإنس والجن والملائكة، وكونه «منزل» مخرج للكلام الإلهي الذي استأثر الله به في نفسه أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به لا لينزلوه على أحد من البشر، وتقيد المنزل بكونه «على محمد» لإخراج ما أنزل على الأنبياء من قبله، وقيد «المتعبد بتلاوته» أي المأمور بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة(5).   

ثم أتبعه بالحديث عن الأحاديث النبوية الشريفة وذكر أنها تنقسم بحسب ما حوته من المعاني إلى قسمين: «قسم توفيقي» وآخر «توقيفي»؛ فالأول استنبطه النبي بفهمه في كلام الله أو بتأمله في حقائق الكون، والثاني تلقى الرسول صلى الله عليه وسلم مضمونه من الوحي فبينه للناس بكلامه، وذكر المؤلف أن هذا القسم حري بأن ينسب إلى الرسول لأن الكلام إنما ينسب إلى واضعه وقائله.

كما بين الفروق بين القرآن الكريم والحديث القدسي وأهمها أن القرآن قُصِد منه مع العمل بمضمونه شيء آخر هو التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته والحديث القدسي لم ينزل للتحدي ولا للتعبد بل لمجرد العمل بما فيه، وهذه الفائدة تحصل بإنزال معناه.

وتحدث في البحث الثاني بتفصيل عن بيان مصدر القرآن وإثبات أنه من عند الله بلفظه ومعناه، وأنه لا صنعة فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه.

وقد قدم من سيرته المطهرة مثلا واضح الدلالة على مبلغ صدقه وأمانته في دعوى الوحي وأنه  صلى الله عليه وسلم لم يكن ليأتي بشيء من القرآن من تلقاء نفسه وهذا المثال هو حديث الإفك وإبطاء الوحي عن إثبات براءة عائشة رضي الله عنها.

وعرض لأمثلة أخرى حيث كان يجيئه القول فيها على غير ما يحبه ويهواه. في آيات يخطئه فيها في الرأي يراه. ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرا تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد، والعتاب القاسي، والنقد المر، حتى في أقل الأشياء خطرا، قال دراز: «أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وجدانه، معبرة عن ندمه، ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه. أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل والتشنيع؟ ألم يكن له في السكوت عنها ستر على نفسه، واستبقاء لحرمة آرائه؟»(6). وغيرها من المواطن التي تتجلى فيها معنى العبودية الخاضعة ومعنى البشرية الرحيمة الرقيقة.

ومن أمثلة هذا الباب أيضا لَمَّا كان يجيئه صلى الله عليه وسلم الأمر أحيانا بالقول المجمل أو الأمر المشكل الذي لا يستبين هو ولا أصحابه تأويله حتى ينزل الله عليهم بيانه بعد. ومن شواهد هذا الباب ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه القرآن في أول عهده بالوحي يتلقفه متعجلا فيحرك به لسانه وشفتيه طلبا لحفظه وخشية ضياعه من صدره كما جاء بأمثلة أخرى تصور عند التأمل فيها «إنسانا الطهر ملء ثيابه، والجد حشو إهابه، يأبى لسانه أن يخوض فيما لا يعلمه، وتأبى عيناه أن تخفيا خلاف ما يعلنه، ويأبى سمعه أن يصغي إلى غلو المادحين له، تواضع هو حلية العظماء، وصراحة نادرة في الزعماء، وتثبت قلما تجده عند العلماء»(7).  

وما تقرر للمؤلف بعد عرض هذه النماذج من السيرة النبوية أن صاحب هذا الخلق العظيم وصاحب تلك المواقف المتواضعة بإزاء القرآن، ما كان لأحد أن يمتري في صدقه حينما أعلن عن نفسه أنه ليس هو واضع ذلك الكتاب، وأن منزلته منه منزلة المتعلم المستفيد، بل كان يجب أن نسجل من هذا الاعتراف البريء دليلا آخر على صراحته وتواضعه.

وفي هذا السياق رَدَّ على قول الجاهلين من الملحدين بأن النبي صلى الله عليه وسلم أهلٌ بمقتضى وسائله العلمية لأن تجيش نفسه بتلك المعاني القرآنية، قائلا: «ونحن قد نؤمن بأكثر مما وصفوا من شمائله، ولكننا نسأل: هل كان كل ما في القرآن مما يستنبطه العقل والتفكير، ومما يدركه الوجدان والشعور؟ اللهم كلا، ففي القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة التي لا مجال فيه للذكاء والاستنباط، ولا سبيل إلى علمها لمن غاب عنها إلا بالدراسة والتلقي والتعلم»(8). ثم ذكر أمثلة من النبوءات القرآنية كيف أنها تقتحم حجب المستقبل قريبا وبعيدا وتتحكم في طبيعة الحوادث توقيتا وتأييدا، وكيف يكون الدهر مصداقا لها فيما قل وكثر، وفيما قرب وبعد.

ذكر بأن لا يوجد للقرآن مصدر إنساني لا في نفس صاحبه ولا عند أحد من البشر، وأن كل من حاول أن يجعل هذا القرآن «عملا إنسانيا» أعياه أمره، وأقام الحجة على فشله باضطرابه ولجاجته وإحالته ومكابرته.

وعقب ذلك بدراسة الأحوال المباشرة التي كان يظهر فيها القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وقد وصف دراز هذه الأحوال بالظاهرة العجيبة التي كانت تبدو على وجهه الكريم في كل مرة حين ينزل عليه القرآن.

لعمري لقد كان دراز – رحمه الله- يرد بكل ما أوتي من قوة على المنكرين والمتعجبين من أن يكون إنسان يرى الملائكة عيانا ويكلمهم جهارا، وحسبك ما رد به على ذلك ببعض الآيات العلمية التي تفسر لعقولنا تلك الحقائق الغيبية وأقرب هذه الآيات إلى متناول الجمهور آية الهاتف، قال: «فقد أصبح الرجلان يكون أحدهما في أقصى المشرق والآخر في أقصى المغرب، ثم يتخاطبان ويتراءيان، من حيث لا يرى الجالسون في مجلس التخاطب شيئا، ولا يسمعون إلا أزيزا كدوي النحل الذي في صفة الوحي»(9)، وكذلك آية التنويم المغناطيسي «فقد أصبح الرجل القوي الإرادة يستطيع أن يتسلط بقوة إرادته على من هو أضعف منه حتى يجعله ينام بأمره نوما عميقا لا يشعر فيه بوخز الإبر، وهناك يكون رهين إشارته، وتنمحي إرادته في إرادته [...] فإذا كان فعل هذا الإنسان بالإنسان فما ظنك بمن هو أشد منه قوة؟»(10).

ومن نظراته في القرآن والتي يحسن التأمل فيها ما ذكره عن العجز العام عن مضاهاة الخالق وعن محاكاة الصنعة الإلهية، وتلك آية كونها ليست من صنع الناس. 

ولما كانت نظرات دراز – رحمه الله- في هذا الباب تدرس الطريقة التي جاء منها القرآن انطلاقا من اعترافات صاحبه وحياته الخلقية ووسائله وصلاته العلمية، وسائر الظروف العامة والخاصة التي ظهر فيها القرآن لتأكيد نتيجة حاسمة مفادها أن القرآن ليس له على ظهر الأرض أب ننسبه إليه من دون الله. فقد انتقل إلى عرض القرآن في جوهره انطلاقا من دراسة النواحي الثلاثة من الإعجاز القرآني وهي: ناحية الإعجاز اللغوي وناحية الإعجاز العلمي وناحية الإعجاز الإصلاحي التهذيبي الاجتماعي، غير أنه اقتصر في كتابه إلى نهايته على الناحية الأولى فقط، يقول: «لا عجب إذن أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن في خيال العرب أنه شعر، لأنه وجدت في توقيعه هزة لا تجد شيئا منها إلا في الشعر»(11) غير أنه فَنَّدَ هذا الزعم وأبطله.

ثم بدأ في وصف بعض خصائص القرآن البيانية ورتبها على أربع مراتب:

 1- القرآن في قطعة قطعة منه.

2- القرآن في سورة سورة منه.

3- القرآن فيما بين بعض السور وبعض.

4- القرآن في جملته.

وفي أولى هذه المراتب تحدث عن القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى، وقد أشار إلى قصور البلغاء عن هذه المرتبة مقابل اجتماع هاتين الغايتين على تمامهما بغير فترة ولا انقطاع في القرآن الكريم. كما تحدث في هذه المرتبة عن خطاب العامة وخطاب الخاصة، يقول: « فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب، ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم، فلا غنى لك – إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظها كاملا من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منهما بغير ما تخاطب به الأخرى؛ كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال. فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء، وإلى الأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرآن الكريم. فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد»(12).

كما تحدث عن إقناع العقل وإمتاع العاطفة وقبل تفصيل الحديث فيهما أشار إلى القوتين الكامنتين في النفس الإنسانية وهما: قوة التفكير وقوة الوجدان وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها.

وبعد ذلك تحدث عن صفة البيان والإجمال وذكر أن هذه عجيبة أخرى تجدها في القرآن ولا تجدها فيما سواه، وقد أسهبَ في توجيه نظر القارئ إلى دقة التعبير القرآني ومتانة نظمه وعجيب تصرفه في قوله تعالى في ذكر حجاج اليهود (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

أما المرتبة الثانية فهي «القرآن في سورة سورة منه الكثرة والواحدة»، وقد أتى بنموذج من السور المتجمعة كيف التأمت منها سلسلة واحدة من الفكر وهي سورة البقرة وهي أصول سور القرآن وأكثرها جمعا للمعاني المختلفة وأكثرها في التنزيل نجوما وأبعدها في هذا التنجيم تراخيا، وقد عرض المؤلف رحمه الله السورة عرضا أبرز فيه وحدة نظامها المعنوي في جملتها، وذكر أن هذه السورة على طولها تتألف وحدتها من مقدمة وأربعة مقاصد وخاتمة؛ فالمقدمة وصفت القرآن بما هو أهله ووصفت متبعيه ومخالفيه كلا بما يستحقه، ثم شرع المؤلف في بيان مقاصدها الأربعة وأولها نِدَاؤُهُ تعالى الموجه إلى العالم كله بمطالب ثلاثة تتضمن الأركان الثلاثة للعقيدة الإسلامية، بالإضافة إلى وصفه طريقة القرآن في الهداية، لينتقل في المقصد الثاني إلى نداء فريق من المخالفين ودعوتهم إلى الإسلام، وقسم الحديث فيه إلى أربعة أقسام؛ الأول في ذكر سالفة اليهود، والثاني في ذكر اليهود المعاصرين للبعثة، والثالث في ذكر قدامى المسلمين من لدن إبراهيم، والرابع في ذكر حاضر المسلمين وقت البعثة، مع ذكر حلقة الاتصال بين القسمين الأول والثاني والمدخل إلى كل مقصد على حدة.

واعتبر المؤلف أن المقصدين المتقدمين بمثابة إرساء الأساس الذي يكون بعده إقامة البنيان؛ فبعد الاطمئنان على سلامة الخارج يجيء دور البناء والإنشاء في الداخل، فبعد بيان حقائق الإيمان تم الانتقال إلى بسط شرائع الإسلام، وهو المقصد الثالث من مقاصد هذه السورة «والحكمة العامة في تأخير إقامة البنيان، ريثما أرسيت قواعده، وفي تأجيل الفروع حتى أحكمت أصولها، ستبدو من ورائها حكم جزئية، وأسرار دقيقة، لمن أقبل على هذه الفروع، ينظر إلى تلاصق لبناتها في بنيتها، وتناسق حباتها في قلادتها»(13).

أما المقصد الرابع من مقاصد هذه السورة فهو في بيان حقيقة الإحسان. 

وخاتمة هذه السورة جاءت بلاغا عن نجاح دعوة ما دعت إليه السورة في بدايتها والوفاء بوعدها لكل نفس بذلت وسعها في اتباعها، وفتحا لباب الأمل على مصراعيه أمام هؤلاء المهتدين. 

أسلوب الكتاب:

أسلوب المؤلف –رحمه الله- في كتابه متفرد، أكسبَ الكتاب تفردَه بين الكتب التي ألِّفَت في هذا الباب، ولغته لغة علمية رصينة، وهو كتاب موجه إلى العموم يقول: «فلا يتطلب من قارئه انضواء تحت راية معينة؛ ولا اعتناقا لمذهب معين، ولا يفترض فيه تخصصا في ثقافة معينة، ولا حصولا على مذهب معين، بل إنه يناشده أن يعود بنفسه صحيفة بيضاء إلا من فطرة سليمة وحاسة مرهفة ورغبة صادقة في الوصول إلى الحق في شأن هذا القرآن»(14).

ومن مميزات هذا الأسلوب:

أولا: التحليل والتمثيل: أكثر ما يعتمِد عليه المؤلف –رحمه الله- التحليلُ الذي يستند إلى الأدلة العقلية والحجج التاريخية بالإضافة إلى حجج مُعَاصِرة حالية وهي كثيرة في الكتاب موجهة إلى الجيل الجديد الذي لم تعد تقنعه الحجج البائدة بقدر ما يرعوي إلى جيله ويتأثر بما فيه غاية التأثر، كما يعتمد على التمثيل والتطبيق على نماذج من القرآن الكريم كما رأينا في مضمون الكتاب، يقول: «وقد راعيتُ في أكثر هذه البحوث شيئا من التفصيل والتحليل، وشيئا من التطبيق والتمثيل، فلم أكتف بالإشارة حيث تمكن العبارة، ولا بالبرهان إذا أمكن العيان»(15).

ثانيا: النظر والتأمل: كلام الشيخ عبد الله دراز في كتابه أكثره مبني على النظر والتأمل في الحقائق لذلك نجد ما كتبه – وإن طال العهد بظهوره لأول مرة- جديدا في بابه، وقد انتبه المؤلف – رحمه الله- إلى ذلك فذيل العنوان الرئيس بعنوان آخر فرعي يذكر فيه هذه المسألة وهو «نظرات جديدة في القرآن».

ثالثا: الإيجاز والاختصار: والكتاب من الحجم المتوسط، غير أنه ثَرِيٌّ بعمق الأفكار والقضايا التي يطرحها ويعالجها، لا يَمَلُّ منه قارئُهُ، ويجد فيه المُنَقِّبُ بُغْيَتَهُ.

ــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- ينظر «لمحة عن حياة المؤلف» كتاب النبأ العظيم ص: 5- 6. 

2- التحرير والتنوير 30/ 9.

3- التحرير والتنوير 30/ 10.

4- مقدمة كتاب «النبأ العظيم» ص:7.

5- انظر «النبأ العظيم» ص:14- 15.

6-«النبأ العظيم» ص:24.

7-«النبأ العظيم» ص:32.

8- النبأ العظيم» ص:36.

9- النبأ العظيم» ص:72.

10- النبأ العظيم» ص:72- 73.

11- النبأ العظيم» ص:102.

12- النبأ العظيم» ص:113.

13- النبأ العظيم ص:201- 202.

14- النبأ العظيم ص: 8.

15- النبأ العظيم ص: 9.

**********************

المراجع:

- تفسير التحرير والتنوير، للإمام محمد الطاهر ابن عاشور، منشورات الدار التونسية للنشر سنة 1984م، تونس.

- النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن، للدكتور محمد عبد الله دراز، الطبعة الأولى 1434هـ/ 2013م، منشورات دار ابن الجوزي، القاهرة.

 

رابط تحميل الكتاب:

http://saaid.net/book/16/8144.pdf



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قطوف لغوية من كتاب التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور «1»

قطوف لغوية من كتاب التحرير والتنوير
للطاهر بن عاشور «1»

كتاب «التحرير والتنوير» للطاهر ابن عاشور من أهم كتب تفسير القرآن الكريم، «فهو تفسير حافل بما لَذَّ وطاب من العلوم، ولا غرو في ذلك؛ فصاحبه عالم كبير، وجهبذ نحرير، له يد طولى، وقدح مُعَلَّى في علوم شتى»(1)...

.(1) سلسلة مكتبة الدراسات القرآنية -كتاب «أسرار الفصل والوصل»-

.(1) سلسلة مكتبة الدراسات القرآنية
-كتاب «أسرار الفصل والوصل»-

سعيا إلى تعريف الباحثين ببعض مؤلفات «مكتبة الدراسات القرآنية»، لما لها من عظيم الخطر والفائدة، نقدم في الحلقة الأولى من هذه السلسلة كتاب «في البلاغة القرآنية أسرار الفصل والوصل» للدكتور صباح عبيد دراز، ومن الله نستمد التوفيق والسداد...

التعريف بكتاب سر الفصاحة لأبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي

التعريف بكتاب سر الفصاحة لأبي محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي

سبق عند الحديث عن أبي هلال العسكري وبيان منزلته العلمية أن بينت منهجه في «كتاب الصناعتين الكتابة والشعر» حيث جعل أهم أهداف البيان أو البلاغة إثبات الإعجاز في  القرآن الكريم، ولذلك كان علم البلاغة في نظره أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ بعد المعرفة بالله جل ثناؤه...